أبي منصور الماتريدي
359
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
لئلا تلحقهم التبعة في العاقبة ، ولا تلزمهم المسبة والمذمة في ذلك [ في الدنيا والآخرة ] « 1 » ، والله أعلم . والثاني : أن النظر في ابتداء الخلقة ، وإلى ما يصير عند انقضاء الأمر ، يدعو إلى إيجاب القول بالبعث ، وإلى التصديق بكل ما يأتي به الرسل من الأخبار ؛ وذلك لأن التأمل في ابتداء الخلقة يظهر عجيب قدرة الله تعالى ولطيف حكمته ، ويعلم أن الذي بلغت حكمته هذا المبلغ لا يجوز أن يقع قصده من إنشاء الخلق للإفناء خاصة ؛ لخروجه عن حد الحكمة ؛ فيحملهم ذلك على القول بالبعث . ولأن النظر في ابتداء الخلقة ، والنظر إلى ما يرجع إليه بعد الوفاة مما يمنع الافتخار والتكبر ؛ لأن إنشاءه كان من نطفة تستقذرها الخلائق ، ومن علقة ومضغة يستخبثها كل أحد ، وبعد الممات يصير جيفة قذرة ، ومن كان هذا شأنه ، لم يحسن التكبر في مثله ؛ فكان في تذكير « 2 » أوائل الأحوال وأواخرها « 3 » موعظة لهم ؛ ليتعظوا ، ويتبصروا ، وتعريف لهم أن التكبر لا يحسن من أمثالهم ؛ فيحملهم ذلك على التواضع وترك الافتخار والتجبر ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ : الأمشاج : الأخلاط ، ثم الأخلاط تقع بوجهين : أحدهما : في اختلاط ماء الرجل بماء المرأة . والثاني : تقع في الأحوال ، وهو أن النطفة إذا حولت علقة لم تحول بدفعة واحدة ؛ بل هي تغلظ شيئا فشيئا ، حتى إذا تم غلظها صارت علقة ، وكذلك العلقة يدخل فيها التغيير « 4 » شيئا فشيئا ، حتى إذا تم التغيير « 5 » فيها حالت مضغة ؛ فهذا هو الاختلاط في الأحوال . فمنهم من قال : الأخلاط : الطبائع الأربع التي عليها جبل الإنسان . ومنهم من صرف الخلط إلى الألوان ، فذكر أن ماء الرجل أبيض يخالطه حمرة ، وماء المرأة أحمر يخالطه صفرة . وقوله - عزّ وجل - : نَبْتَلِيهِ ، أي : بالخير والشر ، والأمر والنهي ، ثم الابتلاء هو الاستظهار لما خفي من الأمور ؛ والله تعالى لا يخفى عليه أمر فيحتاج إلى استظهاره ،
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : تذكر . ( 3 ) في ب : وآخرها . ( 4 ) في ب : التغير . ( 5 ) في ب : التغير .